في الذكرى الثالثة والخمسين لانطلاق برنامج (عالم الأطفال) في إذاعة بغداد
اليوم، السابع من تموز 2026، نستذكر بكل فخر مرور ثلاثة وخمسين عاماً على إذاعة أول حلقة من برنامج (عالم الأطفال)، التي انطلقت من إذاعة بغداد في 7-7-1973، لتكون بداية تجربة إعلامية رائدة أسهمت في صناعة أجيال من الأطفال المبدعين، وتركت أثراً لا يزال حاضراً في ذاكرة العراقيين.
كتب حلقات البرنامج نخبة من الأدباء والكتّاب المتخصصين بثقافة الطفل، وفي مقدمتهم عدد كبير من منتسبي دائرة ثقافة الأطفال والإذاعيين الرواد. وتشرفت بأن تكون أولى الحلقات من إخراج أستاذي ومعلمي طالب السعد (أبو فتحي)، وشارك في تقديمها مجموعة من أطفال ذلك الزمن الذين أصبح كثير منهم لاحقاً من رواد الإعلام والثقافة.
بدأ البرنامج ضمن قسم الخدمات، بإدارة الأستاذ صفاء القبلي، وبرعاية مدير الإذاعة الأستاذ أرشد توفيق، قبل أن يستقل لاحقاً بقسم خاص حمل اسم قسم برامج الأطفال برئاسة الأستاذ طالب السعد، الذي قاد مسيرة القسم نحو مرحلة ذهبية، قدم خلالها برامج يومية وأسبوعية بقيت راسخة في ذاكرة المستمعين، مثل عالم الأطفال واختبر ذكاءك ورياض الأطفال وحكايات ما قبل النوم.
وخلال سنوات قليلة، تحول القسم إلى مؤسسة ثقافية متكاملة، فأصدر مجلة عالم الأطفال، وأنشأ فرقة إنشاد للأطفال ضمت عشرات الأصوات الواعدة، كان من بينها الفنانة إلهام أحمد وعدد كبير من المواهب التي وجدت في القسم بيئة حقيقية للرعاية والتدريب على أيدي كبار الموسيقيين والمختصين.
كما احتضن القسم عشرات الأطفال الذين التحقوا به بعد إعلان إذاعي وتلفزيوني، فكان بوابة انطلاق لكثير منهم نحو العمل الإعلامي والثقافي، إلى جانب تقديم المسرحيات الغنائية الخاصة بالأطفال على أهم مسارح بغداد، والتي كانت تحظى بحضور جماهيري واسع.
ولم يكن نجاح القسم قائماً على المواهب وحدها، بل على جهود نخبة من الكتّاب والمربين واللغويين. فقد كان الأستاذ جميل الخاصكي حارس اللغة العربية داخل الاستوديو، يتابع أدق الأخطاء ويصححها، ثم واصل هذه المهمة الأستاذ حسن القريشي، الذي جمع بين التصحيح وروح المعلم، فغرس فينا حب اللغة السليمة.
لقد عاش قسم برامج الأطفال أزهى أيامه في سبعينيات وبدايات ثمانينيات القرن الماضي، وكان بحق مدرسة تخرّج فيها إعلاميون ومخرجون وكتّاب ومقدمو برامج، انتقلوا فيما بعد إلى مختلف أقسام إذاعة بغداد، وأسهموا في تطوير العمل الإذاعي العراقي.
وأنا، إذ أستعيد هذه الذكريات، أقف بكل الامتنان أمام أساتذتي وزملائي الذين تعلمت منهم الكثير، وفي مقدمتهم طالب السعد، وروميو يوسف، وخولة الأطرقجي، ومنى البصري، ومحمد عطا سعيد، والأستاذ جواد العلي، وكل من أسهم في بناء هذا الصرح الإعلامي.
كما أترحم على الزملاء الذين غيبهم الموت، وفي مقدمتهم مهند الأنصاري، الذي بذل جهوداً كبيرة لإحياء هذا القسم بعد سنوات الحرب، وأتوجه بالشكر إلى أخي وصديقي سعد محمد عباس، الذي أعانني في استذكار كثير من الأسماء والأحداث.
تحية لكل من عمل في قسم برامج الأطفال… ولكل طفل مرّ من هنا، وحمل معه ذكرى جميلة، أو كلمة طيبة، أو أغنية بقيت تعيش في القلوب.
ستبقى إذاعة بغداد، رغم تعاقب السنين، منارة للإبداع، وسيبقى برنامج (عالم الأطفال) صفحة مضيئة في تاريخ الإعلام العراقي.

