في ليلتين متتابعتين.. نجمان هويا من سماء الفن العراقي

يتدثر الإبداع العراقي اليوم بالسواد، ويخيم الصمت على أروقة النغم وأثير الإذاعة، بعد أن اختارت الأقدار أن تفجع الوجدان الثقافي مرتين، وفي ليلتين متتاليتين لم تتركا للقلوب فرصة لالتقاط الأنفاس. كأنما السماء استكثرت على الأرض أنوارها، فتهاوى نجمان من طراز رفيع، تاركين وراءهما فراغاً لا يملؤه سوى صدى السنين الطوال من العطاء والأصالة؛ الموسيقار الكبير الأستاذ فاروق هلال، والمخرج الإذاعي القدير الأستاذ صبري الرماحي.
وداعاً يا صانع النغم.. وداعاً فاروق هلال
في الليلة الأولى، انطفأ وترٌ ذهبيّ في عود الأغنية العراقية برحيل الأب الروحي وعميد التلحين الأستاذ فاروق هلال عن عمر ناهز الـ 91 عاماً، لتبكيه الساحة الثقافية بكلمات يملؤها الشجن والوفاء:
“وداعاً يا صانع النغم..
وداعاً يا مكتشف النجوم..
وداعاً أيها الملحن الأنيق…
وداعاً.. يا فيلسوف الموسيقى العراقية..
وداعاً… فاروق هلال”

رحل الرجل الذي لم يكن مجرد ملحن عابر، بل كان مؤسسة فنية متكاملة ومكتشفاً لأجيال صاغت هوية الغناء العراقي والعربي. من منا لا يتذكر بصمته العميقة في برنامج “أصوات شابة” الذي عبرت من بوابته حناجر ذهبية هزت المسارح العربية؟ لقد ترجل الفارس الذي علمنا كيف نسأل “عن كل درابين العشق”، وطوى برحيله حقبة من الزمن الجميل، لتظل ألحانه الخالدة تمشي بين الناس كشواهد حية على عبقرية نغمية نادرة لا تتكرر.

صبري الرماحي.. رحيل المعلم ومدرسة الفن والإنسان

ولم تكد الروح تلملم شتات حزنها على رحيل الملحن الأنيق، حتى باغتتها الليلة الثانية بفاجعة أخرى أطفت بهجة الأثير؛ برحيل المخرج الكبير الأستاذ صبري الرماحي، فقدت الساحة الفنية واحداً من المعلمين الكبار الذين كان لهم أثر عميق في مسيرة أجيال من الفنانين والإعلاميين، وكنتُ شخصياً واحداً من أولئك المحظوظين الذين تتلمذوا على يديه ونالوا شرف القرب منه.
لقد عملتُ معه فترةً ليست بالقصيرة في قسم التمثيليات في إذاعة بغداد، حين كان مخرجاً عبقرياً في القسم، وكنتُ أعمل آنذاك مساعداً له. في تلك الرواق المليء بالشغف، لم يكن الأستاذ صبري يعلمني الإخراج بوصفه مهنة أو حرفة تجارية فحسب، بل كان يغرس في روحي كيف أحيا النص، وكيف أعيش أدق تفاصيله وجزئياته، وكيف أختار لكل ممثل وممثلة الدور الذي ينسجم تماماً مع قدراته الفنية وطبقة صوته، ليبلغ الأداء أقصى درجات الصدق والإقناع لدى المستمع.
وتعلمتُ منه أيضاً أسس التعامل الإنساني الراقي؛ فكيف كان يتعامل مع الفنانين الكبار سناً ومقاماً، ويقدم لهم الملاحظة الفنية بأسلوب مهذب يحفظ مكانتهم ويصون كرامتهم، فتُقبل منه بروح المحبة والاحترام المتبادل. كما تعلمت منه حسن اختيار الموسيقى التعبيرية، وتوظيف المؤثرات الصوتية بدقة لتصبح جزءاً لا يتجزأ من الحدث الدرامي، فتزيد المستمع اندماجاً وإيماناً بما يسمع عبر الأثير. لقد كان صبري الرماحي مدرسةً فنيةً وإنسانيةً جامعة قبل أن يكون مخرجاً كبيراً.

رحيل بطعم الفجيعة.. وبقاء الأثر

رحل فاروق هلال ليركع العود حزناً، وتبعه صبري الرماحي ليطبق الصمت على الميكروفونات؛ ليلتان متتاليتان اختزلتا فجيعة جيل كامل من رواد الحركة الفنية العراقية.
إن عزاءنا الوحيد في هذا الغياب المر، هو أن الأجساد وإن غيبها الموت، فإن الإرث الإنساني والإبداعي الذي تركه هذان العلمان سيظل حياً، عابراً للأجيال، وستظل بصمات الرماحي حاضرة في أعمال تلامذته، وفي ذاكرة أصدقائه، وفي قلوب كل من عرفه أو تتلمذ على يديه.
رحم الله الموسيقار فاروق هلال والأستاذ صبري الرماحي رحمةً واسعة، وأسكنهما فسيح جناته، وألهم أهلهما ومحبيهما وتلامذتهما جميل الصبر والسلوان. وسيبقى اسماهما حاضرين ما بقي الفن الأصيل، وما بقي الوفاء للمعلمين الكبار.