في التاسع من شهر يناير ( كانون الثاني) سنة 2026 غادرنا إلى مثواه الأخير الفنان العراقي الكبير محسن العلي بعد رحلة شاقّة قضاها في سنواته الأخيرة مع المرض..ولم يكن خبر وفاته مفاجئا..لأن النتيجة كانت متوقّعة ..وخصوصا مع مرض السرطان الذي وصل إلى مراحل يصعب علاجها..رغم المبالغ الكبيرة التي دفعا العلي في رحلة علاجه دون تدخل أي جهة أخرى..لأسباب عدة..
تعرّفت على الفنان الراحل في ردهات الإذاعة ..حيث كان يعمل هو في قسم التمثيليات في إذاعة بغداد..وكنت أنا ضمن فرقة الأطفال قي قسم برامج الأطفال في إذاعة بغداد..وكان الأستاذ الراحل طالب السعد المخرج الرئيسي لبرامجنا، وفي الوقت نفسه رئيسا للقسم ..وكان هناك بعض الأسماء من الفنانين، الذين كانوا يساهمون في إخراج برامج القسم ، قبل أن أنضمّ إليهم كواحد من المخرجين..ومن هؤلاء : روميو يوسف، خولة رجب، محمد عطا سعيد ، وجنان عبدالحميد..وكانت الأخيرة كما لاحظت، ولاحظ الجميع ، على علاقة بالفنّان محسن العلي ..توّجت بعد ذلك بخطوبة رسمية، وبعدها بالزواج..وكان الفنان الراحل غاية في الطرافة ..مبتسما دائما..ضحكته معروفة عندنا جميعا..كنا نبدأ تسجيل برامجنا في في الأستوديو في الساعة الثالثة من بعد ظهر كل يوم،وننهيها مع الساعة الخامسة مساء..وكنا نراه قبل ذلك بدقائق يمشي بخطوات خجولة نحو الأستوديو..وغالبا ماكان يسألني: (( ها ..خلّصتوا؟) ثم يبستم..فأعرف أنه يسأل ماإذا كانت جنان قد أنهت عملها أم لا، ليوصلها هو إلى بيتها..وكانت فرحتهما كبيرة بعد الزواج..فالشخصيتان محبوبتان لدى جميع منتسبي الإذاعة..وبشوشان واجتماعيان ومتواضعان إلى أبعد حد.مما دعى الجميع لأن يفرح لفرحهما..
وبعد سنوات..انتقلت للعمل إلى قسم التمثيليات في الإذاعة..وهو نفس القسم الذي يعمل فيه العلي..كنت أساعده في إخراج عدد من الأعمال الدرامية..وتدرّبت على يديه ويدي الأستاذ صبري الرماحي، على كثير من الأشياء التي كنت أجهلها في عملي ضمن برامج الأطفال..مثلا طريقة التعامل مع الفنانين الكبار..وكيفية توجيه الملاحظة الفنية دون أن أجرح أو أمسّ كبرياء الممثل ..وخصوصا إذا كان هذا الممثل شخصية مرموقة ،وعلما من أعلام الدراما العراقية..أمثال يوسف العاني..أو طعمة التميمي..أو سليم البصري..أو خليل الرفاعي، أو شكري العقيدي ..وآخرين. .وتعلّمت على يديه كيف عليّ أن أسخّر الموسيقى المناسبة، أو المؤثّر الصوتي المناسب، وأشياء أخرىا كثيرة، كان للراحل العلي..والأستاذ الكبير صبري الرماحي الفضل في أنّني تعلّمتها منهما ..
وبعد سنوات طويلة..وبعد أن غادرت العراق واستقرّ بي المطاف في العاصمة الأردنية عمّان..أوكلت بإخراج العديد من الأعمال الإذاعية لصالح جهات مختلفة..وطلب مني في حينها، أن أشرك الفنانين العراقيين فيها..وخصوصا بعد أن كان العراق يمرّ بحصار اقتصادي قاس، أثرّ على كلّ مرافق الحياة..وكان للفنان العراقي نصيب كبير من هذا الحصار..فوجدتها فرصة مناسبة، لأن أدعو أكبر عدد ممكن من الزملاء الفنانين ،للمشاركة في هذه الأعمال..وكان محسن العلي من ضمن هؤلاء..
وفعلا اشترك معنا في تجسيد عدد كبير من الشخصيات، في أعمال إذاعية متفرّقة..وكان غالبا مايضفي على الأستوديو جوّا من الدعابة والمرح..وكنّا نتشوّق لأن يحين دوره ، ليدخل لاستوديو ..فيضحكنا بمواقفه الطريفة التي لاتنتهي، وليبدّد لنا الجهد والتعب والإرهاق الذي كان ينتابنا .حتى وإن كانت أحداث المسلسل جدّية، لكنّه يحوّلها إلى مواقف كوميدية…
وبعدها بسنوات أخرى..زارني الفنان الراحل محسن العلي إلى شركة أور للإنتاح الفني والتوزيع ، التي كنت أحد مؤسّسيها وشركائها ورئيس مجلس إدارتها..ليطرح عليّ فكرة..أو بالأحرى كانت رسالة من الأستاذ سعد البزاز..لتكون ستوديوهات الشركة ، مقرّا لقناة تلفزيونية فضائية..أطلق عليها فيما بعد ( الشرقيّة).
ومع بداية سنة 2004 بدأنا العمل كخليّة نحل ..وامتلأت ردهات الشركة بالعشرات من الفناننين والفنانين..الجميع يعمل..وعلى مدار 24 ساعة في اليوم..لنقدّم شيئا جديدا لم يسبق للمشاهد العراقي أن رآه على شاشة التلفزيون..وكان محسن العلي رئيسا لهذا الفريق..وعلى تواصل دائم مع سعد البزاز، الذي كان يقيم في الإمارات ، ومن هناك يزوّدنا بتعليماته..وطلباته…
ومع بداية شهر آذار.. انطلق البثّ التجريبي لقناة الشرقيّة..من العاصمة الأردنية عمّان، لم يستمر طويلا ، حيث انتقل بعدها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة..وخلال الشهور التي قضّيناها سويّة..مرّت بنا العشرات من المواقف الصعبة مع الطلبات المتكرّرة،وبعضها الملحّة أو الصعبة والتعجيزية من البزّاز ..حتى إن بعضها كان يضعني بموقف محرج أمام الفنان الراحل..لكنّنا سرعان ماكنا نبدّد الصعاب.فمايربطنا علاقة تمتد عشرات السنوات..انتهت الشهور على خير..وغادر فريق الشرقية ردهات الشركة..لكن الذكريات بقيت ملتصقة في كل شبر منها.

