عقـدة “مطربة الحـي”: لمـاذا نكسر مجاديف الناجحين بدلاً من الفخر بهم؟


في المجتمعات الطموحة، يتحول نجاح الفرد إلى عرس وطني، يُرفع فيه الناجح على الأكتاف كرمز للمستقبل. لكن في جغرافيتنا الممتدة من الخليج إلى المحيط، يبدو أن للنجاح ضريبة أخرى.. فما إن يخرج المبدع من نطاق المحلية الضيق إلى الأفق العربي أو العالمي، حتى تبدأ المعاول بالعمل، وتنطلق حملات(الحفر) تحت قدميه، والبحث في دفاتره القديمة عن حجج واهية لتصغير حجمه وتقزيم إنجازه.

فلماذا (مطربة الحي لا تطرب) في ديارنا؟ ولماذا يُكرّم الغريب ويُهمّش القريب؟

أولاً: نرجسية القرب وعقدة (أنا أعرفه)

الجذر النفسي الأول لهذه الظاهرة يعود إلى عدم تقبل المحيطين فكرة أن شخصاً ( منهم وبيهم) ..نشأ وربي معهم قد تجاوزهم. عندما ينجح شخص غريب، يسهل علينا تقبّله لأننا لا نقارن أنفسنا به. أما ابن البلد، فالمقارنة معه مباشرة ومؤلمة للبعض. تنشأ هنا آلية الدفاع عن النفس ..حيث تحاول التقليل من شأنه لسان حالها يقول: من يكون هذا؟ لقد كان معنا بالأمس.. إنهم لا يحاربون نجاحه بالذات ، بل يحاربون الشعور بالتقصير في أنفسهم الذي يثيره نجاحه.

ثانياً: فخ(الوطنية المشروطة) وتهمة الغدر

من أغرب الحجج التي تُساق ضد المهاجرين أو الناجحين عالمياً هي تهمة “مغادرة البلاد وقت الحاجة”. وكأن النجاح يشترط البقاء في بيئة قد لا توفر الأدوات الأساسية للنمو. يُنظر إلى الهجرة المشروعة والسعي وراء التميز كأنه “خيانة صامتة”، بدلاً من رؤيتها كإضافة لرصيد الوطن في المحافل الدولية. هذه الوطنية الضيقة تعجز عن استيعاب أن رفع اسم الوطن في الخارج هو أسمى أنواع الانتماء.

ثالثاً: عقدة الخواجة والتملّق للغريب

في جانب آخر..، نرى ظاهرة تكريم الشخصيات الوافدة، فنانين كانوا أو مثقفين، والاحتفاء بهم بأعلى درجات الحفاوة والتقدير. هذا السلوك ناتج عن “عقدة الغريب. حيث يُعطى القادم من الخارج هالة من الهيبة والبريق لمجرد أنه غريب عن تفاصيلنا اليومية. وفي نفس الوقت، يجلس من هم أكبر حجماً وقيمة من أبناء البلد في الصفوف الخلفية، يتفرجون بغرابة وألم على مشهد يُلخص ضياع البوصلة الثقافية والاجتماعية. وهنا يتجلى بوضوح شعار الفعاليات والمهرجانات القائم على مبدأ( إياكِ أعني واسمعي يا جارة) حيث يُستدعى الغريب لتوجيه الرسائل وتوزيع الأضواء، بينما يُترك القريب يعاني التهميش والإنكار.

رابعاً: الداء العربي المشترك

هذه المعاناة ليست حكراً على بلد عربي دون آخر، بل هي (متلازمة عربية) بامتياز. تعاني منها الساحة الفنية، والأكاديمية، والرياضية، والفكرية على حد سواء. إنها ثقافة تتربص بالناجح حتى يسقط، بدلاً من أن تبني على نجاحه مؤشرات صعود للجيل الجديد. نحن نبرع في رثاء المبدعين بعد رحيلهم، لكننا نضيق ذرعاً بإبداعهم وهم أحياء بيننا.

خاتمة: نحو ثقافة التمكين لا التكسير

إن الأوطان لا تكبر بتصغير كبارها، ولا ترتفع بكسر مجاديف طيورها المهاجرة. إن الاستمرار في محاربة الكفاءات المحلية وتطفيشها بحجج واهية هو نزيف مستمر لعقولنا وطاقاتنا. إننا بحاجة ماسة إلى ثورة وعي، نتخلص فيها من غيرة القرب وعقدة الغريب، لنتعلم كيف نطرب لمطربة حيّنا، وكيف نرى في نجاح ابن البلد نجاحاً للمجموع، وفخراً يستحق الدعم والاحتفاء، لا الحفر والتشكيك.

نسخة مع التحية إلى من يهمه الأمر:

إلى كل نقابة تغط في نوم عميق وتلتفت للغريب وتنسى مبدعيها.
إلى كل وزارة تُدير ظهرها للكفاءات وتفتح الأبواب لبهرجة المؤتمرات.
إلى جيوش المستشارين وما أكثرهم في مكاتبنا، الذين يشيرون دائماً بعكس اتجاه مصلحة أبناء الوطن.
وعلى كل حال.. لا عليكم.. كنت أهذي.. سامحوني!